الكلمة الطيبة من أعمال البر والأخلاق الحميدة :
البر شيء هين : وجه طليق ، وكلام لين ، وعمل لا يكلف كثير جهد ولا مزيد عناء. لذلك فالذي لا بر عنده لا خير فيه ، وهذه أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضح مقام الكلمة الطيبة وجزاء قائلها وقد تنوع الأجر والثواب حسب عمل البر :
ففي حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك " والتبسم والبشر من أدوات القول الحسن : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة قال : والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة ".
ففي هذا الحديث لفتة جليلة وفائدة عظيمة ، تجلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " والكلمة الطيبة صدقة " حيث جاءت هذه العبارة بين عبارات تدل على الشمول بلفظ " كل " واستأنف بالواو لينبه على أهميتها ودورها وقد راعى عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث جميع طبقات الناس ليقوموا بواجبهم بالتصدق عن كل عضو من أعضائهم حمدًا لله وشكرًا على نعمائه ، والتصدق يحتاج إما إلى مال وإما إلى جهد عقلي أو عضلي ، ومن وجد من نفسه عجزً أعنهما فإن له باباً لا يكلفه فيها شيء سوى أن يقول " الكلمة الطيبة " فهي تعد من الأخلاق السامية ، ومن جملة البر والصدقات لأنها تطيب قلوب الآخرين ، أو تمسح دموع المحزونين ، وترد الشاردين وتصلح بين المتباعدين ، ومن تجرد منها لا خير فيه. وفي حديث أبي هريرة بيان أسهل طريق من قول الكلمة الطيبة لأنه ربما يصعب على المسلم أن يقول الخير في ظرف شعر فيه أنه يتعسر عليه النطق بشيء فدعاه إلى حل بسيط في غاية البساطة هو أن يمسك لسانه عن قول الشر.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر فقال : " البر حسن الخلق " فالبر يثمر أخلاقاً حسنة كريمة.
ولكي نعرف خلق النبي وأنه كان أحسن الناس كلاماً فلنأخذ رحلة حول خلق النبي من خلال استعراض مواقفه مع الناس وكيف كان يتصرف يها ، وقد وصف سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه جانباً من مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى وصفاً عاماً عن أحواله بينهم قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت ، وكان أصحابه ينشدون الشعر ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون فيبتسم معهم إذا ضحكوا ". وعن عمر بن عبد الله قال كان علي بن أبي طالب إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان أجود الناس صدرًا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشيرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفةً أحبه ".
هذان الحديثان أعطيا وصفاً عاماً عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن جلّ جلوسه الصمت وأنه صلى الله عليه وسلم إذا تكلم كان لين الكلمة سهل الخلق واسع الصدر وكريم العشرة صلى الله عليه وسلم.
فمن الأحاديث السابقة نستشف ونتعلم طريقة وكيفية التعامل مع الناس من خلال النقاط التالية :
- أن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الحديث فيه تواضع وقرب من كل قلب.
- كلامه فيه كل خير بعيد عن الحشو والغلظة.
- يتغافل عما لا يريد ولا يخيب فيه أحد.
وهذا الأمر فيه منتهى الحكمة مع الجليس ، ولو انتبه إليه المسلم وطبقه لاجتاز كثيرًا من المصاعب والمشاكل التي قد يتلقاها مع بعض جلسائه فهو صلى الله عليه وسلم بهذا التعريف اختصر كثيرًا من الأحاديث الجانبية والتي فيما لو تطرق إليها لكثر الجدل حولها ولما خرج من المجلس إلا والقلوب قد نفرت والنفوس قد تأججت. ولهذا فالتفاعل ضروري جدًا وليس بغبي من تغابى.
وبعد فإن ما يقوله الإنسان من خيرٍ أو شر ينتج عنه أثر أخلاقي ينعكس على شخصيته سلباً أو إيجاباً وبالتالي فهو يعرض نفسه إما لمرضاة الله عز وجل وغفرانه وإما إلى سطوة الله وانتقامه فاللسان أساس الأعضاء وعمادها ، وبه يصلح حالها أو يفسد ، وبه تستقيم الأخلاق ، ولذلك وجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضبط اللسان وصونه من الآفات ؛ فعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفّر اللسان – أي تذل له وتخضع – فتقول : اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " فاللسان أثره محقق إما بالتوفيق أو بالخذلان وهو أشد جموحاً وطغياناً وفسادًا وعدواناً من الأعضاء كلها.
أما عن الحكمة : فهي أساس الأخلاق ومنها ينطلق الخير وكل بر وتوفيق كما قال تعالى : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا } فمن حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم : أن رجلاً من بني فزارة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن امرأتي ولدت غلاماً أسودًا وإني أنكرته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك إبل قال : نعم ، قال : فما ألوانها ، قال : حمر قال : هل لك فيها من أوراق ، قال : إن فيها لوراقاً ، قال : فأنى أتاها ذلك؟ ، قال : عسى أن يكون نزعها عرق ، قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق.
فلقد استعمل عليه الصلاة والسلام الحكمة في إقناعه وإزالة الشكوك من قلبه حيث قاس الذي استغربه على ما عتاد من حياته العملية وبيئته وبهذا طيّب خاطره وأقنعه وأزال الشك والريب منه.
النصيحة
المزيد