ثقافة الاستهلاك في المجتمعات العربية بين الشريعة والعولمة
إن من خصائص الإسلام البديهية أنه يبوئ المؤمنين به والسائرين على هدي مبادئه عز الدنيا وسعادتها ، ويرشدهم لفوز الآخرة وخلود نعيمها ، وليس من أهدافه مخاصمة الدنيا ولا تزهيد أهله فيها أو إهمال شئونها ، وإنما دعاهم إلى الاهتمام بشئونها ومعالجة قضاياها بفكرٍ ثاقب وجهدٍ مكثف دون الإخلال بالحياة الآخرة وما تتطلبه النجاة فيها من طاعة الله ، وإحسان عبادته ؛ ومن هذه القيم والأخلاق دعوته إلى ترشيد الإنفاق والاستهلاك ، وصدق رسول الله r إذ قال : ( ما عال من اقتصد ) رواه الطبراني في الكبير ، وقوله r ( الاقتصاد نصف المعيشة ) رواه أحمد في مسنده بإسنادٍ حسن ، وإنما كره الإسلام الإسراف لأن الاعتدال والوسطية في الإنفاق وفي كل شيء من سمات هذا الدين ؛ قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا }( البقرة 143 ) ولأنه ينظر إلى الإسراف على أنه إهدارٌ لثروة الأمة ، وأنه لو وظف هذا الجزء الذي تم به الإسراف في أمور إنتاجية لا تنتفع به البلاد والعباد ، ولذلك اعتبر المسرف سفيهاً لا يجوز التواني والحجر عليه ومنعه من التصرف في ماله.
فيلزم إذًا لكي يكون المستهلك رشيدًا أن يضع في خطته لإنفاق المال مصالح نفسه روحاً وبدناً وعقلاً ، ومن يعول ، ومصالح المجتمع في العاجل والآجل للمعيشة في الدنيا وعمارة الأرض ، والقيام بالواجبات الدينية وإشباع احتياجاته منها لأخراه وبذا يتحقق توازن المستهلك في إنفاقه ليتحقق له الوفاء باحتياجاته بكافة مستوياتها الضرورية والحاجية والتحسينية ، فلا يحرم من الضروريات على حساب الكماليات كما هو الحال في الرأسمالية ، ولا يحرم من الكماليات على حساب الضروريات كما هو الحال في الاشتراكية حيث يتيسر له استهلاك الطيبات والمستلذات من السلع والخدمات ويعينه المجتمع على ذلك في حدود إمكانياته.
هذا وينظم الإسلام الاستهلاك وفقاً لقواعد أهمها ما يلي :
1. الالتزام في الاستهلاك بدائرة المباح من الطيبات والنعم المختلفة دون الخبيث والرديء المحرم ، والتوسط في هذا الاستهلاك ، والحث على الإنفاق للدعوة والجهاد ومتطلباتهما ، وحفز الاستثمار دعماً للطاقة الإنتاجية للمجتمع ، وتوفيرًا لمتطلبات التنمية وتحقيق المستوى المعيشي المناسب في الحاضر وفي المستقبل.
2. ربط الاستهلاك بظروف المجتمع وإمكانياته الاقتصادية وتحديد أولوياته تبعاً لهذه الظروف ، مع التأكيد على توفير الاحتياجات الأساسية لكافة المواطنين ، وترشيد استخدام الموارد المتاحة بما يحقق ذلك ، ومنع التقليد والمحاكاة للمجتمعات الأخرى في غير ما أباح الله وأحل.
3. تحريم استهلاك السلع والخدمات الضارة بالفرد والمجتمع ، والالتزام بالقواعد التشريعية في التحريم والإباحة ، وعدم أحقية الفرد والمجتمع في تعديلها ومراعاة هذا التحريم للظروف الأخرى.
4. الاعتماد في تنظيم الاستهلاك على كلٍ من السلوك الرشيد للمستهلك بدوافع عقيدته وإيمانه والسلطة التنفيذية والرقابية للمجتمع.
وإن الملكية في الإسلام ليست مطلقة وإنما هي بضوابط ونظم ومن هذه النظم :
1. أنه لا يجوز للواحد أن يكنز ماله ، بل لابد أن يطلقه للتعامل به لينتفع به الصانع والعامل والزارع والتاجر فإذا كنزه استحق غضب الله عليه { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم }.

























































