بسم الله الرحمن الرحيم : والحمد لله رب العالمين .. سيدي وخالقي ، وربي الذي أعزني بالإسلام ورفع قدري به من بين جميع الأديان ، القائل :{ ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض ، للرجالِ نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن ، واسألوا الله من فضله ، إن الله كان بكل شيءٍ عليماً }… والصلاة والسلام على سيد وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلاةً عطرة ، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين ، القائل :" رفقاً بالقوارير ".. أما بعد..،
فإني أتقدم بهذه السلسلة من الحلقات البسيطة والمبسطة لطرح قضية هامة ، -( رشحتها أخت لنا في الله )- من بين الكثير من القضايا الأخرى … ولم أجد أهم من طاعة الزوجة لزوجها ، لأني لمست تأثيره الكبير على الأسرة والمجتمع في العالم الإسلامي عامةً ، والبيئة العربية على وجه الخصوص ..
والذي نسلط الضوء عليه بالتحديد هو الفهم الخاطئ لهذا الحق ، فالكثير من آبائنا وشبابنا لا يفهمون حق طاعة الزوجة للزوج بالمعنى الصحيح الذي أراده الله ورسوله ، فنجد الرجال يتأرجحون بين التشدد في هذا الحق بطريقة مبالغ فيها وبين التسيب ، ولكن القلة فقط من فهموا هذا الحق كما حثنا عليه المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم ؛ والأسباب التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع :
1. تجريد الرجال من المفاهيم الخاطئة التي ورثوها من أجدادهم في معنى طاعة الزوجة لزوجها.
2. تصحيح مفهوم المجتمع لمعنى القوامة .. هل طاعة المرأة لزوجها يدل على ذل المرأة وخنوعها له؟ وهل أباح الإسلام تسلط الأزواج على زوجاتهم؟
3. تحديد معالم الطاعة الصحيحة التي أمر بها الشرع الحنيف.
4. الرد على الافتراءات التي تزعم أن الإسلام دين الرجعية والتخلف بأن قيّد المرأة برغبات الرجل وجعلها أسيرة شهواته.
5. رد النساء المعاصرات إلى جادة الصواب وكشف اللثام عن حقيقة القضايا المعاصرة مثل المناداة بحقوق المرأة ، ومطالبة المساواة بين الرجل والمرأة.
6. التأكيد على أبناء العالم الإسلامي " ذكورًا وإناثاً " أن الرجال والنساء بألف خير فالله قد أنعم عليهم النعم الكثيرة من جميع النواحي ، فعليهم المحافظة على هذه النعمة وعدم تضييعها بالبعد عن الدين ، واللهث وراء النداءات الكاذبة ، وعليهم التمسك بقيمهم وأصالتهم مع تطويرها بما يتناسب مع شرعنا ، وغض الطرف عن القيم والنداءات البراقة المستوردة ؛ فكما قيل "ليس كل ما يلمع ذهباً".
وانطلاقاً من ذلك ، حاولت أن أخضع هذه السلسلة لطريقة البحث العلمي الصحيح. بأن أخرّج الأحاديث وأعزو كل آية إلى سورتها. وسوف تتناول هذه السلسلة ( 6 حلقات ) ما يلي :-
1. الحلقة الأولى : نظرة شاملة حول مفهوم الطاعة
أولاً : معنى الطاعة لغةً وشرعاً
ثانياً : الآمر والناهي هو الله ورسوله
2. الحلقة الثانية : استكمال النظرة حول مفهوم الطاعة
ثالثاً : القوامة شبهات وردود.
رابعاً : حدود طاعة المرأة لزوجها
3. الحلقة الثالثة : قضايا المرأة المعاصرة
أولاً : نشأة قضية حقوق المرأة ::: ثانياً : كيف أصبحت المرأة المسلمة تطالب بحقوقها أيضاً
4. الحلقة الرابعة : استكمال قضايا المرأة المعاصرة
ثالثاً : المساواة بين الرجل والمرأة ::: رابعاً : الفرق بين الرجل والمرأة
5. الحلقة الخامسة : الفهم الخاطئ لحق الطاعة
أولاً : التعسف في استخدام حق الطاعة ::: ثانياً : معنى الطاعة عند أغلب البيئات العربية (وخصوصاً بيئة دولة الإمارات)
6. الحلقة السادسة : استكمال الفهم الخاطئ لحق الطاعة
ثالثاً : معالجة النفرة بين الزوجين ::: رابعاً : معالجة التوتر الناشئ بين الزوجين
وفي النهاية أتمنى أن أوصل الفكرة وأبلورها كما أردت أن أوصلها ، وكما يقال فإن الكمال لله وحده وأن النقص ملازماً للأغيار .. فإن كنت قد أصبت فذلك من توفيق الله لي ، وإن كنت قد أخطأت فأسأل الله أن يغفر لي ، وعذري أني بذلت قصارى جهدي – حسبما أتيح لي من ظروف ، وكما قال الحق – تعالى - :{ وفوق كل ذي علمٍ عليم }. فأسأله سبحانه أجر المجتهد ونية المحتسب.
( أولاً ) :- معنى طاعة الزوج لغةً وشرعاً : سوف نتناول معنى ( الطاعة ) بشكلٍ عام من الناحية اللغوية ، وبعد ذلك سوف نخصص المعنى من الناحية الشرعية أي معنى طاعة الزوجة لزوجها ، وهل نستطيع أن نستعين بالمعنى اللغوي في خدمة وصياغة المعنى الاصطلاحي؟
الطاعة لغة : كلمة الطاعة : " من طاع له يطوع طوعاً ، وأطاع لانَ وانقادَ ، ويقال أمَرَهُ فأطاعه بالألف ، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ".( القاموس المحيط للفيروزآبادي ) ، ويقال : الطوع الانقياد ويضاده الكره. قال الله عز وجل { ائتيا طوعاً أو كرهاً }.( تاج العروس) ، ولا يطوع بكذا أي لا يتابعه وطوعت له نفسه تطويعاً تابعته وطاوعته أو شجعته ورخصت له وسهلت ومنه في سورة المائدة { فطوعت له نفسه قتل أخيه }.( محيط المحيط قاموس مطول للغة العربية) والطواعية اسم لما يكون مصدرًا لطاوعه. وطاوعت المرأة زوجها طواعيةً.( لسان العرب)
معنى طاعة الزوجة لزوجها شرعاً : بعد البحث والاطلاع على أكثر من مرجع ، لم أجد تعريفاً محددًا لكلمة " طاعة الزوجة " ، ولكن بعد تتبع شروح العلماء في معناها الشرعي والمقارنة بين أقوالهم تبين لي أن معناه : أن تطيع الزوجة زوجها فيما أمرها ما لم يكن فيه خروج عن أوامر الله ، وعمل بما نهى الله عنه. وهناك معنىً آخر وهو : أن تطيع الزوجة زوجها في كل ما هو من آثار الزواج وما يكون حكماً من أحكامه.( الحقوق المتقابلة بين الزوجين في الشريعة الإسلامية)
والذي يبدو لي من خلال التعريف الثاني أنه أكثر عمقاً ودقةً وأكثر حيطة في انتقاء ألفاظ التعريف ، ولو أضيف إليه قيد " ما لم يكن فيه خروج عن أوامر الله " لكان ذلك أسلم من الخلل من جميع الجوانب. وهذا جهد يشكر عليه الكاتب. حيث إنه يرمي إلى أنه على المرأة أن تطيع زوجها في كل ما هو من آثار الزوجية ، أي أن انتقـال المرأة إلى بيـت زوجها أثر من آثار الزوجية ، وتسليـم المرأة نفسها لزوجها هو أيضاً أثر من آثار الزوجية ، وقيامها بواجباتها تجاه الزوج تعتبر أيضاً أثرًا ، فالواجب عليها أن تطيع زوجها في كل هذه الأمور ، وما يكون حكماً من أحكامه أي أنه يجب على المرأة أن لا تخرج من المنزل إلا بإذن زوجها ولا تستقبل فيه أحد لا يقبل بوجوده زوجها ، كل هذه الأحكام التي نتجت من عقد الزوجية واجب على المرأة أن تطيع زوجها فيها.
وبالمقارنة بين التعريف العام للطاعة من الناحية اللغوية ، والمعنى الخاص الشرعي لطاعة الزوج ، نجد أن المعنى اللغوي يخدم المعنى الاصطلاحي ، بدرجةٍ كبيرة ، فطاعة الزوجة لزوجها فيها الطواعية والمطاوعة والانقياد ، وقد نبهنا إلى أن حدود الطواعية تقف عند أوامر الله ونواهيه.
وبناءً على ما تقدم يتضح لنا أن الطاعة واجب على المرأة وحقٌ للرجل ، ولكي نتعرف على هذا الجانب بطريقةٍ أوضح ، - أي ما حكم طاعة الزوجة لزوجها؟ ومن هي الجهة المشرعة في هذا الموضوع؟ وهل طاعة الزوجة لزوجها على إطلاقها ، أم لها ضوابط وحدود؟ وما هو القصد من تشريع هذا الحكم؟ وهل هو حكم تعسفي في حق المرأة؟
- سوف أمهد للقارئ للدخول في هذه العناصر بالحديث السريع عن الأصول الثمانية للحقوق والواجبات التي تضمنها التعريف السابق ؛ وفي ضوئها سوف نناقش محاور طاعة الزوجة لزوجها في ظل الهدي النبوي.
الأصل الأول : مصدر الحقوق والواجبات – أي الجهة التي تقررها – هو الله جل جلاله ورسوله – أي المصدر هو الكتاب والسنة.
الأصل الثاني : ينبغي أن يكون استعمال هذه الحقوق وفعل الواجبات وفقاً لما شرعه الله تعالى.
الأصل الثالث : ينبغي أن يكون القصد من استعمال هذه الحقوق وفعل الواجبات مطابقاً لقصد الشارع من تشريعها.
الأصل الرابع : يجب أن يكون استعمال الحقوق وفعل الواجبات على وجه الاعتدال.
الأصل الخامس : يجب تقديم الأحق بالتقديم عن غيره من الحقوق والواجبات.
الأصل السادس : ينبغي أن لا يلحق استعمال الحقوق وفعل الواجبات ضررًا بالغير.
الأصل السابع : المرأة كالرجل في الحقوق والواجبات.
الأصل الثامن : الحقوق والواجبات متنوعة.
( ثانياً ) :- الآمر والناهي هو الله تعالى ورسوله :
نظرًا إلى أهمية الأصل الأول سألقي الضوء عليه :
يقول الدكتور عبد الستار فتح الله* : " الله تعالى خالق كل شيء. وبالتالي فهو مالك كل شيء. ومن ثم فله وحده حق الأمر لما خلق ، ومَلَكَ. وهو ليس مطلق أمر يجوز عليه الخطأ أو الصواب ، وإنما هو أمر مبني على تمام العلم والحكمة ، لذلك فهو كله هداية ورحمة ".( المنهاج القرآني في التشريع)
فالعلاقة بينهما – بين الخلق والأمر – هي علاقة لزوم وترتيب ، فقضية الأمر نتيجة لقضية الخلق ، والقرآن الكريم يقرر هذا المبدأ ( ترتيب الأمر على الخلق والملك ) في كثيرٍ من الآيات(بتصرف من المرجع السابق) ، وقد جمعهما معاً في قوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين }.( نقل عن كتاب "أضواء على الثقافة الإسلامية")
فالله - سبحانه وتعالى – خالق الخلق وهو موجدهم وهو الأعلم بتصريف أحوالهم والأصلح لاستقامة معيشتهم. وبناءًا على ما تقدم فإن الله – سبحانه وتعالى – هو مشرع الأحكام التي تستقيم بها حياة الخلق وهو واضع القوانين والنواميس الكونية لأنه الخالق.
وبما أننا نتحدث عن معنى طاعة الزوجة لزوجها بالمفهوم الصحيح ، وعن مدى وعي الطرفان (الزوج والزوجة) بهذا الحق وكيفية القيام به .. وبما أننا نواجه تياراتٍ فكريةٍ معاصرة تحاول اجتثاث الثقافة الإسلامية لدى الفرد المسلم التي تبنى على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة – قد وجدت أنه من الواجب علينا ونحن في هذا المقام أن نذكر عن خاصية من خصائص الثقافة الإسلامية وهي أنها ربانية المصدر. " فالثقافة الإسلامية(نادية شريف العمري ) تعتمد على كتاب الله الموحى إلى رسوله e ، وهي محصورة في هذا المصدر بعيدة كل البعد عن الفكر الفلسفي الإنساني.
وإن هذا المصدر الرباني يتسم بسمة الخلود والصدق والصحة ، ذلك لأن الكتب السماوية الأخرى قد دخلها التحريف ، وأدخل عليها شروح وتفسيرات وتصورات وزيادات ومعلومات بشرية ، أدمجت في صلبها ، فبدلت طبيعتها الربانية ، وبقي الإسلام وحده محفوظ الأصل ، قال الله – تعالى - : { إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.( سورة الحجر ، الآية : 9) وهذا هو السر الذي يعطي الثقافة الإسلامية قيمة التفرد والخلود.
ومهمة الرسول - e - كانت تبليغ هذا الأصل إلى الناس جميعاً ، إذ أنه يتلقى من الله رب العباد ، وينقل ، ويبلغ وينفذ ، ويطبق. قال الله – سبحانه وتعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض. ألا إلى الله تصيرُ الأمور }( سورة الشورى ، الآيتان : 52 ، 53) ، ويقول سبحانه وتعالى : { والنجم إذا هوى. ما ضلّ صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى }.( سورة النجم ، الآيات : 1 – 4)
هذه الآيات القرآنية العظيمة كلها تدل على أن مصدر الثقافة الإسلامية هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب محل ثقة الناس لأنه مُبرأٌ عن كل نقصٍ أو هوى قد يصاحب العمل الإنساني أو يؤثر في الفكر البشري ، وإن هذا المصدر موافق للفطرة الإنسانية ، مُلبٍ لحاجاتها ، محققٌ لمتطلباتها ، ملائمٌ لكل جوانبها.
ومن البديهي أن الثقافة التي تنبع من كتاب الله والتي تحقق حاجات الإنسان ، والتي يطمئن إليها الإنسان ويثق في صحتها تنشئ أرقى ثقافة عرفتها البشرية ، وتقدم أشمل منهج للحياة.
وهي في هذه الخاصة تختلف اختلافاً شاسعاً عن الثقافة الغربية التي تستمد مصادرها من الفكر الفلسفي اليوناني والقانون الروماني ومن النصرانية المحرفة ، أو من الفلسفة الوضعية.
والفلسفة الغربية في العصر الحديث تقوم على اعتبار الطبيعة والواقع والحس مصادر مستقلة وفريدة للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة … وهكذا فإننا نجد اضطراباً وخلطاً فيما تعتبره الثقافة الغربية مصدرًا لها ، مما يؤدي إلى اضطراب في فكر الإنسان وفي نفسيته ، وهذا ما يورث كآبة نفسية في إحساس الفرد ، أو انطلاقاً شديدًا لا يحده ضابط ولا توقفه قيمة .
يقول الأستاذ سيد قطب : ( ما الذي قدمته المادية؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا منه شيئاً ( مضبوطاً ) فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به وهو هباء لا يثبت على اللمس ،ولا يثبت على الرؤية ، ولا يثبت على النظر العقلي؟ .. ).( نقل عن كتاب خصائص التصوير الإسلامي ومقوماته)
فالله سبحانه وتعالى أمر الزوجة أن تطيع زوجها ؛ وقد عبّر عن هذا الحق بالقوامة ، وتوالت الأحاديث في التأكيد على هذا الجانب ، فطاعة المرأة لزوجها فرضٌ عليها ، وقد ثبت وجوب حق الطاعة والقوامة بالكتاب والسنة.
يقول – سبحانه وتعالى - :{ الرجالٌ قوامونَ على النساءِ بما فضّل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم }.( سورة النساء ، الآية : 34)
وهذه الآية تدل على وجوب طاعة الزوج ، لأنه سبحانه وتعالى ، جعل الرجال قوامين على النساء ، ولا معنى للقوامة إلا إذا أطيع القيّم ، ونفذت أوامره مِن قِبَل مَنْ جعل قيماً عليه.
المزيد